مجزوءة المعرفة: النظرية والتجربة الفلسفة الثانية بكالوريا

بواسطة : - آخر تحديث : يناير 7, 2021
إعلان

إعداد: ذ. عصام الخدير

تقديـم المفهـوم


لعل أهم سمة للمعرفة التي تنتجها العلوم الحقة ،تلك المتمثلة في إنتاجها لقوانين تنتظم بدورها في نظريات مفسرة لمختلف فئات وأصناف الظواهر التي ينكب كل واحد من تخصصاتها على دراستها،بما هي ظواهر مقتطعة من الواقع الاختباري المحسوس أو مبناة انطلاقا منه :(ظواهر فيزيائية، ظواهر كيميائية،ظواهر بيولوجية….) وتتخذ هده القوانين علاقات رياضية في الأغلب،كما تتخذ هده النظريات هيئة منظومات من العلاقات الرياضية المحكومة بالانسجام المنطقي وبالاستنباط من نفس المبادئ والأوليات.
وهكذا يؤول التفكير في الظواهر التجريبية في العلوم الحقة إلى ترييض لهذه الظواهر، كما تؤول دراسة هذه الظواهر إلى سيرورة منطلقها تكميم عناصرها المكونة وتحويلها إلى متغيرات رياضية، فمعالجة هذه المتغيرات معالجة فرضية استنباطية لأجل التوصل إلى قوانين عامة تكتسي صيغة علاقات رياضية كما سبق القول،غير أنها علاقات يؤكدها الاختبار التجريبي كما تسمح بالتنبؤ بحيثيات وشروط تحقق الظواهر التي تنطبق عليها مستقبلا.
يتضح مما سبق أن كلا من النظرية والتجربة تعدان من المكونات الأساسية للمعرفة العلمية بوصفها معرفة تنتج مفاهيم وقوانين تأخذ طابعا نظريا مجردا ،وتعتمد في نفس الوقت على التجارب العلمية في بناء حقائقها،ومن ثم شكلت العلاقة بين هذين العنصرين إحدى القضايا التي أفرزت مواقف متنوعة في حقل الدراسات الإبستمولوجية ،وذلك نظرا للتقابل الذي يبدو بين النظرية كنتاج عقلي خالص،وبين التجربة المرتبطة بالواقع الملموس.
ومن حيث الدلالة المتداولة نجد أن لفظ النظرية يدل على الرأي الشخصي أو الحكم الذي يتبناه المرء بصدد قضية ما.
ومن حيث معناه اللغوي, فإن لفظ النظرية مشتق من النظر،الذي يحمل في دلالته معنى الرؤية
والملاحظة و التأمل أو النظر العقلي.أما في المجال العلمي، فمفهوم النظرية يشير إلى البناء الفكري الذي يأخذ صورة نسق من المبادئ والقوانين التي يتم بها تفسير الظواهر التي تمثل موضوع البحث. بينما نجد “اندريه لالاند” يعرف النظرية بأنها”إنشاء تأملي للفكر يربط نتائج بمبادئ”. وفي مقابل هذا التحديد الدلالي للنظرية يمكن أن نتساءل ما التجربة؟ يدل لفظ التجربة في معناه الشائع على مجموع ما يراكمه الإنسان من خبرات في مسار حياته ،كما يتجلى ذلك في ربط معنى التجربة باكتساب مهارة معينة ينتج عنها إتقان عمل أو مهنة ما… في شروط محددة، بهدف دراستها والوصول إلى بناء معرفة حولها،بحيث تشكل التجربة “الوسيلة الأساسية التي يلجأ إليها العالم التجريبي لمعرفة القوانين المتحكمة في الظواهر” .
ورغم أن المفهومين (نظرية/تجربة)، يبدوان متقابلين إلا أنهما في المجال العلمي يعتبران مترابطين ومتكاملين إلى حد بعيد…وإن كانا في الواقع يطرحان عدة إشكالات يمكن إجمالها فيما يلي:
1-ما هي طبيعة العلاقة القائمة بين التجربة والتجريب؟وهل تكفي التجربة وحدها في دراسة الواقع،أم أنه من اللازم الاستعانة بوسائط أخرى كالعقل والخيال؟ وهل الواقع معطى جاهز و ثابت,أم أنه عنصر يبنى ويعدل باستمرار؟..
2-ما هي طبيعة العلاقة القائمة بين الواقع والعقل؟وهل يشتغل العقل في تماس مع الواقع أم في تباعد عنه؟وأيهما يحكم الأخر ،النظرية أم التجربة؟وما طبيعة العقلانية العلمية؟وما هي ادوار كل من العقل والتجربة في قيامها؟
3-ما هي معايير علمية النظريات العلمية؟وما هي مقاييس صلاحيتها وصدقيتها في تفسير الواقع؟…


المحور الأول :التجربـة والتجريـب:


يلجأ العلم التجريبي إلى منهج محدد هو التجريب،أو ما يسمى بالمنهج التجريبي، والذي لا يقوم على التجربة التلقائية والملاحظة الحسية المباشرة، فما الفرق بين التجربة والتجريب؟
يميز “الكسندر كويري” بين التجربة باعتبارها ملاحظة عامية,أي تجربة خام وهي لم تلعب أي دور في نشأة العلم الكلاسيكي,بل على العكس من ذلك لعبت دور العائق, وبين التجريب باعتباره مساءلة منهجية للطبيعة,وهو يفترض مسبقا لغة خاصة يطرح فيها أسئلة, وقاموسا يتيح تأويل أجوبته ,ومن ثمة يقول “التجربة ملاحظة عامية…أما التجريب فهو المساءلة المنهجية للطبيعة” فعندما ينتهي الباحث من تجميع أفكاره واعتقاداته حول ظاهرة ما يلزمه العمل فيما بعد على ضرورة إخضاعها للتجربة,وذلك قصد التثبت منها, ومن ثمة عزل الصحيحة منها عن الخاطئة,فعن طريق التجربة يتأتى له معرفة القوانين التي تحكمها ,و هذا ما نجده يتلاءم مع المنهج التجريبي الذي اتخذ صياغته المكتملة مع العالم الفرنسي “كلود برنار”وفي ذلك يقول “الحادث يوحي بالفكرة, والفكرة تقود إلى التجربة وتوجهها,والتجربة تحكم بدورها على الفكرة” وهذه القولة تشمل الخطوات الأربع التقليدية في المنهج التجريبي وهي كالتالي:
–الملاحظة:هي معاينة الظاهرة المدروسة ومراقبتها بطريقة منظمة ودقيقة، وليس بطريقة عفوية،وهي الخطوة الأولى في عمل العالم وبحثه في مجال من المجالات العلمية.

الفرضية: ويقصد بها الفكرة التي يقترحها العالم انطلاقا من ملاحظاته من أجل أن يفسر هذه الظاهرة أو تلك.

التجريب: وبواسطته يتأكد العالم من مدى صدق أو كذب الفرضية التي اقترحها لتفسير ظاهرة ما،شريطة أن يكرر التجربة مرات عديدة وفي أوضاع مختلفة.
القانون: ويعرف بأنه العلاقة الثابتة بين ظاهرتين أو أكثر،ويتم التعبير عنه في شكل رموز ومعادلات رياضية إجرائية .
و هكذا يرى “كلود برنار”أن التجريب انفتاح على الواقع وإنصات للطبيعة، وأن المنهج التجريبي يقوم على مبدأين أساسيين هما:وجود فكرة يتم إخضاعها للفحص في ضوء وقائع صحيحة ومنظمة،ومعاينة الظاهرة بشكل سليم وشمولي،كما يتضح إن “برنار”بتأكيده على ضرورة الإنصات للطبيعة لا يحد من دور العقل،حيث يقول “إن العالم المتكامل هو الذي يجمع بين الفكر النظري والممارسة التجريبية”.
إلا أن هذا المنهج لا يمكن اعتماده في جميع ظواهر العلم، ولعل ذلك ما دفع العلماء إلى التفكير في بدائل ناجعة،وهذا ما جعل “روني طوم” ينتقد وجود منهج تجريبي صارم وقائم الذات، حيث يعتبر أن الحديث عن منهج تجريبي يشبه الحديث عن الأسطورة،ومن ثمة يطرح مشكلة فعالية التجريب ومقوماته وحدود صلاحيته العلمية،وفي هذا الإطار يقترح أهم الإجراءات التي يمكن أتباعها أثناء القيام بتجربة علمية وهي كالتالي:
1-عزل مجال مكاني-زماني هو المختبر،قد تكون حدوده واقعية أو خيالية.
2-ملء هذا المجال بمواد مختلفة، مواد كيميائية وكائنات حية….
3-إحداث خلل في المنظومة المدروسة عن طريق التأثير فيها بمؤثرات محددة مادية أو طاقية.
1- تسجيل إجابات المنظومة بواسطة الأجهزة. إن هذه الخطوات الأربع هي ما يشكل الواقعة التجريبية , فما هي الشروط التي تجعل منها واقعة علمية؟
1- أن تكون التجربة قابلة لإعادة إجرائها.
2- أن تثير اهتماما تطبيقيا علميا يتمثل في الاستجابة لحاجات بشرية، واهتماما نظريا يجعل البحث يدخل ضمن إشكالية علمية قائمة.إن التجريب حسب ‘روني طوم’ انفتاح على الواقع،كما انه انفتاح على الافتراضي والخيالي، ونظرا لأن حيثيات التجربة وشروطها ليست دائما ممكنة، فاللجوء إلى التجربة الذهنية أمر ممكن وضروري، خصوصا عندما يشتغل العالم على موضوعات تنفلت من الملاحظة العلمية المباشرة ، وتختلف عن الموضوعات ‘الماكروسكوبية’ فإنه من الصعوبة مثلا ملاحظة حركة الإلكترونات والبروتونات في الذرة، بحيث لا يمكن متابعة حركتها ولا التجريب عليها. يتضح- إذن- أن التجريب وحده عاجز عن اكتشاف سبب أو أسباب ظاهرة ما، ففي جميع الأحوال ينبغي إكمال الواقعي بالخيالي، وهذه القفزة نحو الخيالي ،هي أساسا عملية ذهنية أو تجربة ذهنية ,فلا يمكن للتجريب أن يستغني عن التفكير.


المحور الثاني:العقلانيـة العلميـة


إن الحديث عن العقلانية العلمية هو في الواقع حديث عن العلاقة بين ما هو عقلي وما هو واقعي تجريبي, وإن هذا الحديث ليس بالبساطة التي يمكن أن تتبادر إلى الذهن,إنها علاقة متداخلة ومتشابكة,ذلك أن كل واحد منهما في حاجة ماسة إلى الآخر ,ولا يمكن للعلم أن يستغني عن أي منهما إذا ما أراد الوصول إلى حقائق علمية دقيقة,إلا أن تكاملهما قد طرح مع ذلك إشكالات عويصة تمثلت في أي منهما ينبغي أن يحظى بالسبق على الأخر,النظرية أم التجربة؟وما هي الحدود الفاصلة بين ما هو عقلي وما هو تجريبي؟ يعتبر”هاينز رايشنباخ”أن أساس المعرفة العلمية هي التجربة,منتقدا في ذلك الأبنية العقلانية الرياضية التي تتعالى عن الملاحظة والتجريب,والتي تعتبر بأن للعقل قوة خاصة به,يكتشف بواسطتها القوانين العامة للعالم الفيزيائي,ويؤكد” رايشنباخ”,أن هذا التعالي يجعل هذه الأبنية العقلانية أقرب إلى التصوف منها إلى العلم، كما تنتهي بالانغلاق في نزعات مثالية لا تؤسس معرفة علمية ,أي أن العالم أو الفيلسوف حين يتخلى عن الملاحظة التجريبية بوصفها مصدرا للحقيقة,يكون على وشك أن يصير متصوفا من نوع آخر أي ادعاء الوصول إلى المعرفة دون الحاجة إلى الواقع وإلى التجارب الحسية, كما لو أنها وحي يوحى به أو إشراق نوراني رباني,يتميز به البعض دون غيره,وهو ما يتنافى مع شروط المعرفة العلمية… وفي هذا الإطار يقول ‘رايشنباخ’:”عندما يتخلى الفيلسوف عن الملاحظة التجريبية بوصفها مصدرا للحقيقة,لا يعود بينه وبين النزعة الصوفية إلا خطوة قصيرة” ومن ثمة يراهن ‘رايشنباخ’على ربط المعرفة العلمية بمعطيات التجربة.
إلا أن التحولات الجذرية التي طالت العلم مع مطلع القرن العشرين ,قد أدت إلى ميلاد عقلانية علمية جديدة ,تؤمن بأن حل مشكلات الفيزياء النظرية يتوقف على الاتجاه كليا نحو إعطاء القيمة والأسبقية للعقل على حساب التجربة، ومن هذا المنطلق يؤكد ” ألبير إنشتاين”على أن التجربة العلمية لم تعد كما تصورتها النزعات الإختبارية أو الوضعية,هي المصدر الذي تستمد منه المعرفة في الفيزياء المعاصرة، بل إن التفكير النظري-أو الرياضي-هو الذي أصبح يتحكم في مسار بناء هذه المعرفة من خلال العقل الذي يمكن أن يمارس فعاليته النظرية-المنطقية، حيث يستنبط النتائج من البناء النظري,من دون أن يكون في حاجة مسبقة و مشروطة للتجريب لقبول هذه النتائج,ذلك أن المبدأ الخلاق لا يوجد في التجربة وحدها، بل يوجد في العلم الرياضي أيضا,أي في العقل المبدع الذي يتخيل ويبني عوالمه باستقلال عن عالم التجربة المباشرة ، بل إن العالم ينجح في خلق موضوعات أو علاقات لاتظهر تجريبيا في حينها، ,لكن تظهر فيما بعد أهميتها، وبهذا المعنى فان العقل هو منبع النظرية العلمية، وما التجربة إلا المرشد في وضع بعض الفرضيات من جهة وفي تطبيقها من جهة أخرى. وهذا ما يؤكده ‘اينشتاين’في قوله”إن المبدأ الخلاق في العلم يتمثل في العقل الرياضي لا في التجربة”.
ومن جهته يعتبر”روبير بلانشي” أن العقلانية العلمية هي حوار بين العقل والتجربة,حيث يرى أن العقل في العلم الحديث لا تنحصر مهمته في تنظيم التجربة, بل ينظم ذاته, وهو يتخلى تدريجيا عن بنيته التقليدية التي كانت تقوم على مجموعة من القواعد والمبادئ الثابتة,فلم يعد العقل هو نفس العقل الديكارتي المنغلق على ذاته,بل أصبح ذلك العقل الذي يتطور بتطور عالم التجربة ذاته,كما أن التجربة لم تعد كما تصورتها النزعات الاختبارية، تتحكم في مسارات البناء العقلي والنظري في نظام هده التجربة,هو ما يبرر اليوم تدخل العقل نظريا وتطبيقيا, ومن ثمة فان العقلانية العلمية ليست نزعة اختبارية ولا هي نزعة عقلية قبلية,بل هي عقلانية تجريبية مؤسسة ,تراجع في تكيفها مع الوقائع التجريبية مبادئ العقل و قواعده بشكل مستمر, مما يعني أن العقل العلمي ليس عقلا متعاليا أو مفارقا للواقع, بل انه على العكس من ذلك عقل محايث وملازم للواقع,كما أنه عقل دينامي ونسبي ومنفتح. وفي نفس السياق نجد “غاستون باشلار”يرفض اعتبار الواقع المصدر الوحيد لبناء النظرية العلمية,كما يرفض اعتبار العقل مكتفيا بذاته في بناء هذه النظرية,فبين العقل والتجربة علاقة جدلية و حوار دائم,ما دام أن لا احد منهما يستطيع أن يشتغل دون الأخر , فعن طريق العقل نبني النظرية، وبالتجربة نقوم بالتأكد من صدقها أو زيفها.هكذا يرى باشلار أن العلوم الفيزيائية لا يمكن تأسيسها دون الدخول في حوار فلسفي بين العالم العقلاني والعالم التجريبي ,أساسه يقين مزدوج :أولا اليقين بوجود الواقع في قبضة ما هو عقلي , وثانيا اليقين بان الحجج العقلية المرتبطة بالتجربة هي من صميم لحظات هذه التجربة, وفي هذا الإطار يقول باشلار: “لقد أصبح المطلوب الآن أن يتموضع العالم في مركز بحيث يكون فيه العقل العارف مشروطا بموضوع معرفته,وبحيث تكون فيه التجربة تتحدد بشكل أدق”. المحور الثالث: معايير علمية النظريات العلمية
إذا كان تاريخ العلم كما يقول “غاستون باشلار” هو تاريخ أخطائه،فإن هذا يدل على أن تاريخ العلم هو تاريخ تفنيد نظرية علمية لنظرية أخرى,ويمكن أن نسوق أمثلة على ذلك تفنيد نظرية ‘كوبرنيك’ لنظرية’ بطليموس’،وتكذيب نظرية النسبية لنظرية’ نيوطن’ في الجاذبية،الأمر الذي يخول لنا القول بوجود نظريات خاطئة أو غير علمية،ونظريات صحيحة أو علمية،فكيف نميز ما هو علمي عن ما هو غير علمي؟وما هو معيار صلاحية النظرية العلمية،هل هو مطابقتها أم لإنشاءات العقل الحرة؟ وأين تكمن قوة النظرية،هل في صدقها ويقينها أم في قابليتها للتكذيب؟…
يؤكد دعاة المنهج التجريبي على ضرورة الاعتماد على الاختبار التجريبي لفحص مدى صحة فرضية ما،أو مدى صلاحية نظرية معينة،وفي هذا الإطار نجد ‘بيير دوهيم’يعتبر أن التجربة العلمية تشكل نقطة انطلاق النظرية العلمية وفي نفس الوقت نقطة الوصول بالنسبة لهذه النظرية العلمية،إذ بواسطتها يتم التحقق من صدق أو صلاحية النظرية أو كذبها ،ففي نظر ‘بيير دوهيم’:”إن الاتفاق مع التجربة يشكل بالنسبة للنظرية الفيزيائية المعيار الوحيد للحقيقة” لهذا يتعين مقارنة النظرية مع التجربة ,فإذا توافقت معها تكون النظرية قد أصابت هدفها وأثبتت صلاحيتها،وإلا كانت غير صالحة ومن ثم وجب تعديلها أو رفضها.
لكن القول بالتجربة كمعيار للتثبت من النظريات العلمية لا يعني أنها كافية وحدها في ذلك، “فلا وجود لتجربة حاسمة”،ويمكن رد ذلك إلى أن كل تجربة ما هي إلا تأويل نظري فقط ،وهذا ما جعل “بيير تويليي”يؤكد بدوره أن التحقق التجريبي ليس كافيا وحده للتأكد من صدق أو خطأ النظريات العلمية، ولعل ذلك ما دفعه إلى توجيه نقد حاد إلى أنصار النزعة الإختبارية، إذ ينبغي في نظره تنويع الإختبارات وتكرارها،لتجاوز قصور التجربة الواحدة أو الأحادية، ويعود ذلك في نظره إلى سببين هما: -لا توجد نظرية تمنح لنفسها وحدها,فيما يتعلق بوقائع التجربة نتائج ملموسة.
-لا تتم أي تجربة علمية، دون مساعدة نظريات أخرى.
وفي هذا الإطار يقول’ تويليي”إن التحقق التجريبي لا يعطي دلائل قطعية، وإنما تأكيدات غير مباشرة تكون جزئية ومعرضة دائما للمراجعة(…) فالفحص التجريبي ليس سوى فحص من بين فحوص أخرى….’
ونظرا لأن الطابع التركيبي للنظرية يجعل من المستحيل تقريبا التحقق من صدقها أو كذبها بواسطة التجربة،إذ لا يعلم أي جانب تثبته التجربة أو تكذبه من النظرية،لذا اقترح “كارل بوبر” كحل لهذا الإشكال الإبيستمولوجي، ما سماه مبدأ التزييف أو التكذيب، وهو أن معيار صلاحية نظرية علمية ما ليس هو مطابقتها للتجربة،بل قابليتها من حيث المبدأ للتكذيب،حتى وإن لم تكذب فعلا، أي أن تتضمن في منطوقها، إمكانية البحث عن وقائع أو إنشاء تجارب تكذبها،يقول ‘بوبر’:”إن اختبار نظرية ما تماما، مثل اختبار جزء من آلة ميكانيكية،يعني محاولة تبيان العيب فيها،وبالتالي فإن النظرية التي لا تعرف مقدما أنه لا يمكن تبيان العيب فيها لهي نظرية غير قابلة للاختبار”


خلاصــــة


هكذا يمكن أن نستخلص أن الحديث عن النظرية و التجربة هو في عمقه حديث عن صراع وتوتر بين ما هو تجريبي واقعي وبين ما هو نظري عقلاني.هو توتر يجعل الفصل بين ما هو منطقي وما هو تجريبي أمرا ممكنا ،لكن هذا الإمكان كان يجد مكانا و مساحة في العلم الكلاسيكي ،الذي كرس هذه الثنائية وهذا الصراع إلا أن تطور الفكر العلمي و تطور الواقع العلمي أتاح إمكانية مراجعة هذه التصورات ،فقد تطور التفكير في المنهج العلمي ولم يعد للتجربة وحدها الدور في التحقق من صحة النظريات وضمان الدقة والموضوعية، بل أصبح للعقل الدور الأساس في هذا التحقق، فالعقلانية العلمية كما أوضح “أولمو” ‘هي اليقين في أن النشاط العقلي سيعرف كيف تنشأ منظومات تنطبق على ظواهر مختلفة’.

إعلان

اترك رد