مقدمة مجزوءة تكسير البنية وتجديد الرؤيا – الثانية بكالوريا آداب وعلوم إنسانية

بواسطة : - آخر تحديث : يناير 15, 2021
إعلان

تكسير البنية

التعريف:

تحيل عبارة “تكسير البنية” على: الجهود التي قام بها الشعر الحر لكسر رتابة البيت التقليدي وهندسته الثابتة حيث اعتمد مفهوم السطر الشعري بدل نظام الأشطر الشعرية الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بالإيقاع الداخلي وبالدفقة الشعورية التي تنطلق من العاطفة والوجدان والتأملات العقلية للشاعر، فضلا عن تكسير نظام القافية الموحد والثابت، وهذا ما يميز قصيدة “التفعيلة” عن القصيدة التقليدية.

السياق:

لقد أجمع الدارسون على أن ثورة الشعر العربي الحديث على المقاييس الموروثة التي تحول دون تطوره في مواكبة متطلبات ومستجدات الحياة الجديدة هي نتيجة ما عرفه الوطن العربي من موجات تحرر بعد الحرب العالمية الثانية، حين تطلعت الشعوب العربية إلى الحرية والعدالة والديموقراطية. ولهذا أطلق اسم “الشعر الحر” على الشعر الجديد الذي واكب هذه المرحلة التحررية، فأتت القصيدة الحديثة كحلم وطموح جماعي مشحون بهاجس التغيير والخروج عن التقاليد التي تعيق التطور والتجديد.بدأت حركة الشعر الحر على يد الشاعرة العراقية “نازك الملائكة” التي دعت إلى تحطيم القيود الفنية الموروثة في الشعر مع الاستعانة ببعض التفاصيل العروضية القديمة في إحداث شعر جديد يمنح الشاعر المعاصر قدرا أوفر من التعبير، حيث حصرت الأصول الإيقاعية لهذا الشعر الحر في “التفعيلة” التي تعد أساس الشعر العربي القديم كما حددت له بحور الخليل التقليدية كأوزانه الخاصة.

إن تكسير البنية والثورة على المقاييس القديمة جاءا نتيجة طبيعية لمتطلبات المرحلة الجديدة، فهذا التكسير ليس خروجا على القواعد وإنما هو تعديل وإضافة وتجديد وتطوير لذلك الموروث الفني. وبتكسير بنية القصيدة الشعرية القديمة، بدأ البحث عن مقاييس جديدة بديلة من الشعر الحديث والحياة الجديدة، فظهر ما يسمى بـ “الشعر الحر”. وهو مصطلح استخدم للدعوة إلى شعر جديد يقوم على أساس التفعيلة بدل البحر، ويتخلص من القافية الموحدة تبعا لذلك. ولكن هذا التحرر من الوزن والقافية معا ليس انفصالا نهائيا، بل البحث عن بديل قادر على مواكبة حركة الحياة الجديدة. لهذا فالحرية عند شعراء تجربة الشعر الحر هي حرية مقيدة، لأن شعرهم يستند للتفعيلة المأخوذة من البحور الصافية. وقد استعمل هؤلاء الشعراء الحداثيين أشكالا عديدة من القوافي، منها: القوافي المتوالية، المتقاطعة، المستقلة، البسيطة والمركبة…

الخصائص:

بفضل الثورة التي عرفها الشعر العربي صارت القصيدة الحديثة أكثر تحررا من النظام التقليدي الصارم، وأصبحت وحدة تفعيلتها أكثر ارتباطا بمستويين:

– المستوى التعبيري: حيث يتصرف الشاعر بالقافية وفق رؤيته الشعرية الخاصة.

– المستوى الدلالي: حيث تتعلق القافية التقليدية تعلقا وثيقا بالمعنى.فالشاعر الحديث ظل متمسكا بالقافية وأعاد توظيفها توظيفا خلاقا على مستوى القصيدة كلها مبنى ومعنى حتى صارت مظهرا من مظاهر حداثتها.وقد ظهر شكل جديد من الثورة على أوزان النمط العمودي مع بعض الشعراء كـ “بدر شاكر السياب” الذي خرج عن العدد المحدد للتفعيلات، كما تجاوز القافية والمعجم الموحدين واستدعى منه هذا تحطيم نظام البيت وتحقيق وحدة القصيدة، فتمكن بذلك من إبداع شعر جديد يشكل تجربة فنية تزخر بالحياة وتواكب حركتها الجديدة. وتعود ثورة الشعر الحر على القافية إلى عدة أسباب من ضمنها:– عدم القدرة على استعمال قافية واحدة: لأن الشاعر الحديث لا يستطيع السير على هذا المنوال الرتيب لعدم الحاجة إليه وتعارضه مع وظيفة الشعر في العصر الحديث.

– الثورة على القافية وعلى نظام البيت: فقد صار الشاعر الحديث يطمح إلى جعل القصيدة وحدة متماسكة الأجزاء.

– اضطرار الشاعر الحديث إلى خلق تعابير جديدة: وذلك بتجديد اللغة وإيقاع العبارات بشكل يتناسب مع متطلبات العصر.تدخل في الشعر الحر جل البحور العربية الـ16، لذلك فشعر التفعيلة هو مجرد ظاهرة عروضية تتسم بـ:

– عدد التفعيلات في السطر.– ترتيب الأسطر والقوافي.

– استعمال التدوير والزحاف.أي أن المحافظة في الشعر الحر تتبدى في عروض شعر التفعيلة فرعا من العروض القديم، إذ يتحدد بـ:– استبدال نظام الشطرين بنظام السطر الشعري.

– ربط مدى حرية الشاعر بعدد التفعيلات في السطر الشعري.وهكذا فإن الشاعر الحديث لا يخرج عن القانون العروضي جريا على السنن الشعرية العربية القديمة.لقد فتح تكسير بنية الشعر باب الإبداع في الشعر التقليدي، فشكل إيقاعا داخليا جديدا منح الشاعر إمكانات خلق التناسق والانسجام بين أجزاء القصيدة والتعبير عن تجربته الشعرية وتصويرها في نظام فني متناسق بفضل العناصر الموسيقية التي يشملها هذا الإيقاع من وزن وقافية وجرس لفظي وجناس وتكرار.

إعلان

اترك رد