دروس في الفلسفة: مفهوم الغير…. الحلقة الرابعة

بواسطة : - آخر تحديث : يناير 11, 2021
إعلان

يتحدد الوضع البشري باعتباره وضعا معقدا تتجاذبه عدة أبعاد ذاتية و علائقية وزمانية. و الغير كمفهوم فلسفي يحيل على ذلك البعد العلائقي في الوضع البشري باعتباره ذلك الانا الأخر ، ذلك الانا الذي ليس أنا، ذات تشبهني و تختلف عني في نفس الوقت. فهو ذات تشبهني في صفات الوعي و الحرية و الارادة و تختلف عني في من حيث هويتها الشخصية و حيثياتها االاجتماعية و الثقافية. و يكتسي حضوره بالنسبة للذات بعدا ضروريا باعتباره وسيطا بين الانا و نفسها، بواسطتها تتعرف الذات على نفسها و تستكمل وعيها بذاتها، حيث لاوجود للانا بدون وجود الغير، لكن مادام الانا تملك جوهرا ثابتا يمكن أن تستغني عن الغير و تكون مكتفية بنفسها في تحقيق وعيها بذاتها و اثباث وجودها كذات متعالية عن العالم و الاخرين. كما تعمل الانا على محاولة تعرف عن الغير بماهو ذات تشارك معه نفس العالم عن طريق الحوار و التواصل لكن تبقى هذه المعرفة متعذرة لعدة عوائق أهمها أن الغير يتميز بالحرية بالتالي القدرة على الاخفاء و الكذب. و على أساس ذلك تتحدد العلاقة مع الغير التي تترواح بين علاقة ايجابية قوامها الحب و الصداقة و الاحترام أو علاقة سلبية دافعها الكره و العداوة و الاقصاء.أمام هذه المفارقات تبرز الاشكاليات المركزية لمفهوم الغير و التي يمكن التعبير عنها كالاتي:

هل وجود الغير ضروري ام غير ضروري؟ هل معرفة الغير ممكنة ام غير ممكنة؟ ما طبيعة العلاقة مع الغير هل علاقة ايجابية قوامها الحب و الصداقة و التسامح أم علاقة سلبية قائمة على الصراع و العداء و الغرابة؟

المحور الأول: وجود الغير: هل وجود الغير غير ضروري بالنسبة للأنا أم أنه ضروري؟

أولا: وجود الغير ضروري:

“الغير هو الانا الذي ليس أنا”، فهو أنا بكل ما تحمله من معاني الاثبات و الاهمية و الضرور’ حيث تتعرف الذات عن نفسها من خلاله، فهو وسيط ضروري بين الانا و نفسها، حيث لا يمكن تصور انا بدون غير، فلا وجود لاب بدون أبناء، و لا وجود أستاذ بدون تلاميذ، إذن فالغير ضروري حيث يمكن بوجودي و تتشكل من خلاله هويتي الشخصية. هيجل: لا يمكن فصل الوعي الذات بنفسها عن وعيها بالغير، فالغير جزء من تشكل عملية الوعي بالذات، فصيرورة الوعي تسلتزم حضور الغير، فالعلاقة بين الانا و الغير علاقة جدلية، شبيهة بالعلاقة الجدلية بين السيد و العبد، كما انه لاوجود لعبد بدون سيد و لا سيد بدون عبد، كذلك وجود للأنا بدون الغير و لاوجود للغير بدون الانا….. ملحوظة: بدأ التفكير الفلسفي في أهمية الغير في تشكل الوعي مع الفيلسوف الالماني هيجل ضد على الفلسفة الديكارتية الذي سجنت الانا في ذاتيتها المتعالية ..

سارتر: يكتسي حضور ووجود الغير وضعا مزدوجا حسب سارتر، فهو ضروري لأنه وسيط أساسي بين الذات و نفسها، فلا يتحقق وعي الذات بذاتها إلا عبر وساطته، فهو بمثابة مرآة تتعرف من خلال الذات على نفسها….

لكن يكتسي وجوده طابعا سلبيا، حيث ان حضوره يفقد الانا عفويتها بالتالي حريتها، التي هي جوهر أساسي في الذات، فحضور الغير، من خلال فعل النظرة، يجعل الذات تتصرف وفق ما يريده الغير، فعوض ان يدركني كذات يعمل على تشييئي و موضعتي، فهو يحولني إلى موضوع و بهذا المعنى: فالجحيم هو الآخرون…

ثانيا: وجود الغير ضروري:

و يعرف الغير، من في شقة الثاني من التعريف السابق: “..بإنه ليس انا” بكل ما تحمله من معاني النفي و التهديد. فديكارت : يرى أن وجود الغير لا يمثل أية اهمية للأنا، مادام الذات قادرة على تحقيق وعيا بذاتها بمعزل عن وساطته. فتجربة الكوجيطو: انا افكر غذن أنا موجود، لا يحضر فيها الغير أبدا، فهي عملية ذاية خالصة…. بالتالي فوجود الغير وجود غير ضروري بل وجود جائز و ظني و افتراضي فقط، حيث إن الانا لا يمكن ان ثبت وجوده كما تثبت وجود نفسها مادام ان الحياة التي يمكن ان ادركه بها تخدع.. و حتى لو اثبتت الذات وجوده فلا ينفع الذات في شيئ لان الذات مطتفية بذاتها.. مادام ان تمكلك ما يكفيها لذلك هو التفكير..

هايدجر: الغير تهديد للأنا و محور لخصوصيتها و كيانها و تذويبها في بنية: “النحن” عبر اشكال التنميط و التوحيد..

إعلان

اترك رد