الفصل الثالث تجربة الموت والحياة ظاهرة الشعر الحديث

بواسطة : - آخر تحديث : يناير 7, 2021
إعلان

المؤلفات مستوى الثانية باك آداب إنسانية

مكون : المؤلفات ظاهرة الشعر الحديث باك آداب وعلوم إنسانية
أحمد المعداوي المجاطي

الفصل الثالث: تجربة الحياة والموت

لم يكن حال الأمة العربية كله مدعاة لليأس و الغربة و الضياع و السأم و الحزن. ذلك أن العشرين سنة التي تلت النكبة قد شبدت
هزات عنيفة و تغيرات واسعة شملت العالم العربي كله . مما ولد حالا آخر ممثلا في إيقاع الأمل و الحياة و اليقظة والتجدد . بسبب ما تم إنجازه واقعيا و سياسيا بدءاً بثورة مصر سنة 1952. مرورا بتأميم قناة السويس ورد العدوان الثلاثي و وصولا إلى استقلال أقطار العالم العربي…ولقد ربط المجاطي كلتا التجربتين “تجربة الغربة والضياع” وتجربة الموت ” بإيقاع مشترك بينهما هو إيقاع اليأس (ص 108). يقر بتداخل التجربتين وعدم تفردهما بمدى زمني معين .وذلك بحسب تداخل فترات الخيبة وفترات الإشراق في ارتهائهما بإيقاع اليأس وإيقاع الأمل .بيد أنه يحدد خطا فاصلا بين التجربتين على مستوى المنحى الزمني. فبقدر ما تتجه تجربة الغربة إلى الحاضر
بقدر ما تخطو تجربة الموت والحياة نحو المستقبل. ويذهب الكاتب إلى اعتبار تجربة الموت تجربة فريدة في تاربخ الشعر العربي. رابطا
هذا التفرد بالبعد الثقافي الكوني الذي توسم في الأسطورة الشكل التعبيري الأنسب الشيء الذي انعكس في أشعار بعض شعراء هذه
المرحلة. نذكر منهم أحمد المجاطي أربعة هم : بدر شاكر السياب وخليل حاوي و أدونيس وعبد الوهاب البياتي.

لقد رفض كل شاعر من هؤلاء الموت. موت الحياة الذي ليس بعده بعث. و قَبلَ بموت تكون معه الحياة. فعانق بذلك الرفض
والثورة و النضال. و التجدد و الأمل و التحول و الحياة.

ويرى المجاطي أن هؤلاء الشعراء هم أفضل من يمثل هذا الاتجاه. معَدّدا الخصائص التي توحّد بينهم في ما يأتي:
٠ارتباط‏ تجربتهم بالحياة و الموت.
*ارتباط تجربتهم بالواقع الحضاري للأمة.
*رغبتهم في الانتصار على جميع التحديات التي تواجه الذات و الكون و الزمن و الجماعة.
«استخدامهم للمنبج الأسطوري.
«استشراف المستقبل.
لقد استفاد الشاعر الحديث من مجموعة من الأساطير و الرموز الدالة على البعث و التجدد. استلهمها من الوثنية البابلية واليونانية
و الفينيقية و العربية. و من المعتقدات المسيحية و من الفكر الإنساني عامة. و من هذه الأساطير نذكر: تموز . و عشتار. و أورفيوس ‎٠‏
‏و طائر الفينيق ‎٠‏ و مهيار الدمشقي .و العنقاء . و السندباد . و عمر الخيام . و الحلاج… مما أفرز منمجا نقديا و أدبيا و فلسفيا يسمى
بالمنيج الأسطوري. يصوغ فيه الشاعر مشاعره و رؤاه و مجمل تجربته في صور رمزية. يتم بواسطتها التواصل عن طريق التغلغل
إلى اللاشعور حيث تكمن رواسب المعتقدات و الأفكار المشتركة.
1- علي أحمد سعيد (أدونيس): التحول عبر الحياة والموت.

ركز الكاتب في دراسته لأدونيس على ديوانيه ( كتاب التحولات و الهجرة في أقاليم النهار و الليل) و(المسرح والمرايا ). فلاحظ أن ما
يميز تجربة الحياة و الموت عند أدونيس. من خلالهما. هو صبدورها عن ذات محتقنة بفحولة التاريخ العربي. في واقع يفتقر إلى الفحولة
و الخصب. و محتقنة بجموح الحضارة العربية قبل أن يسلط سيف الاستعمار على عنقها.
كان موقف أدونيس من الواقع العربي المنهاررهو موقف الرافض للموت. لذلك كان في شعره اتجاهان:
٠اتجاه‏ ينطلق من الحيرة و التساؤل. و البحث عن وسيلة للبعث.
٠اتجاه‏ ينطلق من اكتشاف مفهوم التحول بصفته وسيلة لدفع الواقع العربي نحو البعث و التجدد.
و الاتجاهان معا متكاملان منسجمان مع موقف احتقان الذات بفحولة التاربخ العربي و إمكانية البعث. و بإمكانية التحول التي تدور
حولها معاني الحياة و الموت عند أدونيس.
. وقد تأسست هذه التجربة منذ ديوانه الثاني “أوراق الربح” التي استثمر فيها أسطورة الفينيق. وتبلورت في ديوانه “المسرح والمرايا”

من خلال توظيف أسطورتي “تيمور” و”مهيار”. ويتمثل عمق هذه التجربة في مبداً التحول في عمقه الإنساني الإيجابي
2- خليل حاوي: معاثاة الحياة والموت.
عبر خليل حاوي في دواوينه الثلاثة ( نهر الرماد ) و ( الناي و الربح ) و( بيادر الجوع ). عن مبد| آخر غير مبدإ التحول. هو مبداً المعاناة.
الحاضر في مقدمات قصائده وفي شعره. معاناة الموت و معاناة البعث. على إيقاع من الأمل و اليأس بصور الخراب و الدمار و الجفاف
و العقم.؛ و قد وظف في شعره أسطورة تموز و أسطورة العنقاء . دلالة على الخراب الحضاري و التجدد مع العنقاء.

و يرى أحمد المجاطي في تجربة الشاعر خليل حاوي. تجربة عظيمة قائمة على التوافق بينها و بين حركة الواقع في حقبة من تاريخ الأمة

العربية. و على قدرته على تجاوز ذلك الواقع و تخطيه. و على معاينة ملامح الواقع المرعب المنتظر.

3- بدرشاكر السياب: طبيعتٌ الفداء في الموت.
تناول السياب في الكثير من قصائده معاني الموت و البعث. فعبر عن طبيعة الفداء في الموت. معتقدا أن الخلاص لا يكون إلا بالموت.

بمزيد من الأموات و الضحايا كما في قصيدة ” النهر و الموت”.
لقد عمل السياب على استثمار الإطار الأسطوري ليحول الموت إلى فداء. و يجعل الفداء ثمنا للموت. كما فعل في قصيدة ” المسيح

بعد الصلب ” مثلا حينما استخدم رمز المسيح للتعبير عن فكرة الخلاص.

و يرى الكاتب أن إدراك السياب لجدلية الحياة و الموت. و تحويل الموت إلى فداء. قد يكون له علاقة بمزاجه. أو التركيب الغريب
لعقله الباطن. و يقر الكاتب أن السياب عرف كيف يفيد من ذلك في تتبع معاني الحياة و الموت على مستوى الواقع الذاتي و الحضاري.
4- عبد الوهاب البياتي: جد ليت الأمل واليأس.

تحمل أشعار البياتي قضية الصراع بين الذات و موت الحضارة و بئهما. من خلال جدلية الأمل و اليأس. وقد تمت صياغة هذه

القضية في أشعار البياتي من خلال ثلاثة منحنيات هي:

‎٠.‏ منحن الأمل : و فيه انتصار ساحق للحياة على الموت. و تمثله الأعمال الشعرية التالية : ( كلمات لا تموت / النار و الكلمات / سفر

‏الفقر و الثورة ). إذ يظهر الشاعر مناضلا يعيش الأمل لصالح الحياة. فيغدو السقوط حياةً و الهزيمة انتصارا و الموت حياةً.

‏.2منحن الانتظار: و فيه تتكافاً الحياة مع الموت و يمثله ديوان (الذي يأتي و لا يأتي )و فيه أربعة خطوط هي: خط الحياة و خط الموت و

‏خط الاستفهام و خط الرجاء و التمني.

‏.3منحن الشك: يتم فيه انتصار الموت على الحياة. و يمثله ديوان (الموت و الحياة). و هو يكشف زيف النضال العربي. لأنه لا موت

‏بدون نضال و لا بعث بدون موت.

‏يصل الكاتب في النهاية إلى حكم مفاده أن قدرة البياتي على كشف الواقع هي سبب اهتمامه بالموت. و أن اهتمامه بالحياة مصدره

‏إيمانه بالثورة. و الصراع بين الحياة و الموت. و أنه من كل ذلك تفجرت صور الأمل و اليأس و صور القلق و الانتظار.

‏خاتمة الفصل: لم يغفل المجاطي. و هو ينبي مقاربته لهذه التجربة التنويه بإضافتها النوعية المتمثلة في المضامين و كشف الواقع

‏و استشراف المستقبل. مما جعل منها تجربة مرتبطة بحركة التاريخ خلال العشرين سنة الفاصلة بين النكبة و النكسة. رغم كونها لم
تأت أكلها. و يحدد الكاتب العوامل التي حالت دون وصول هذه التجربة للجماهير العربية في:

‏1- عامل ديني قومي: الخوف مما يمكن أن تمثله هذه التجربة من تطاول على التراث باسم الشعر. خاصة ما يتعلق بتعدد الآلمة الذي
تروج له الأساطير.
2- عامل ثقافي: وقوف جماعة من الشعراء و النقاد في وجه ما هو جديد. لاقتناعيم شبه المطلق بجماليات الشعر القديم.

‏3- عامل سياسي: خوف الحكام من المضامين الثورية لهذه التجربة. مما جعلهم يلجأون إلى المصادرة و المنع والسجن والنفي.

‏4- عامل تقني: وهو أهم العوامل في نظر الأستاذ أحمد المعداوي وهو العامل المتعلق بتقنية هذا الشعر, أي بالوسائل الفنية
المستحدثة التي توسل بها الشعراء. للتعبير عن التجارب التي سبق الحديث عنها. يقول الكاتب:” لاشك في أن حداثة هذه الوسائل
حالت بين الجماهير. وبين تمثل المضامين الثورية لهذا الشعر”.

‏المنهج النقدي الذي اعتمده المجاطي في مقاربته لتجربةٌ الحياة والموت «يتمتل في:
المنيج الموضوعاتي .وذلك من خلال تركيزه على الموضوعات الأساسية التي تمحورت حولها تجربة الشعر الحديث. وفي مقدمة هذه
الموضوعات تجربة الحياة والموت و تجربة الغربة والضياع. كما حضر المنيج التاريخي الاجتماعي من خلال ربط المجاطي بين تجربة
الحياة والموت عند الشعراء السابقين وبين الواقع العربي الذي كان يعاني السقوط والدمار والتخلف في مرحلة تاربخية محددة هي
مرحلة ما بعد النكبة. كما حضر المنيج النفسي من خلال ربط المجاطي بين تجربة الموت والحياة وبين المعاناة التي ولدها الواقع في
نفسية الشعراء الأربعة المذكورين. خاصة عند حديثه عن خليل حاوي الذي تمحورت التجربة عنده حول (معاناة الحياة والموت)
كما وظف المنهج الأسطوري في دراسة اللاشعور الجمعي وتفكيك مجموعة من الرموز والأساطير في قصائد الشعراء التموزيين
لمعرفة الثبات والتحول الحضاري الذي أصباب الوجود العربي الإسلامي.


إعلان

اترك رد