العلاقة مع الغير” إن القلق هو ما يرسم العلاقة مع الغير “

بواسطة : - آخر تحديث : يناير 10, 2021
إعلان

أوضح(ي) مضمون القولة، وبَََيِّن(ي) أبعادها

1-مطلب الفهم:

يضعنا مضمون هذا القول، أمام موضوع الغير، وهو من المواضيع التي استأثرت باهتمام الفلسفات الحديثة منها والمعاصرة، وخاصة فلسفات الوعي، التي أكدت معظمها على أن الأنا لا يمكن أن يستكمل وعيه بذاته إلا بالإنفتاح على الغير والتعرف عليه، وإقامة علاقة معه، لكن الأنا، وفي محاولتها للتواصل مع الغير، وتحقيق الغايات المنشودة معه، تصطدم بمفارقات يكشف عنها واقع الغير، فهو تارة يكشف عن عالم من السعادة والطمأنينة والارتياح، وتارة أخرى، يكشف عن عالم من القلق والتوثر والمعاناة، مما يجعل الأنا في حيرة من أمرها، بين الإندفاع نحو الغير وربط علاقات معه، أو الإنعزال عنه، وفي ذلك قضاء على هويتها كشخص، هذه المفارقة والإلتباس الذي يكشف عنها الغير، هو ما حاول واضع القولة إثارته بصيغة ” هل يمكن اعتبار الصداقة أساس العلاقة مع الغير ؟ “، وتساؤل من هذا النوع، يجعل من موضوع العلاقة مع الغير، موضوعا إشكاليا، يحمل مفارقات يمكن تبينها في التساؤل التالي:إذا كان الغير وكما عرَّفه الفيلسوف الفرنسي الوجودي جون بول سارترJean Paul Sartre ( -1905 -1980)، ” هو الآخر، الأنا الذي ليس أنا، وإذا قبلنا بضرورة وجود الغير ومعرفته المعرفة اليقينية، فكيف ينبغي أن تُبْنَى العلاقة معه ؟ فهل ينبغي بناء هذه العلاقة على التفاهم والتعاون والتسامح، أم على الصراع والإقصاء والتشييء ؟

2-مطلب التحليل:

يحيل مضمون القولة على تصور معين للعلاقة مع الغير، تصور يراهن على العلاقة السلبية مع الغير، يبدو هذا الأمر واضحا من خلال تفكيك دلالة المفاهيم والألفاظ الواردة في هذا القول، والذي يفتح بأداة توكيد “إن “، فهي تؤكد على أطروحة ترى في القلق أساس للعلاقة مع الغير، و” القلق ” حالة نفسية، تحيل على كل معاني السلب، من معاناة وألم وتوثر، فمضمون القولة إذن، يؤكد على العلاقة السلبية مع الغير، وهو الموقف الذي نلمسه لدى مجموعة من المفكرين، نذكر منهم الفيلسوف والأديب الفرنسي المعاصر جون بول سارتر Jean Paul Sartre ( -1905 -1980)، الذي ذهب في مؤلف له بعنوان: ” الوجود والعدم L’être et Le Néant”، إلى التأكيد أولا على ضرورة الغير لوجود الأنا، وهو الأمر الذي يبدو في قوله: ” الغير هو الوسيط الذي لا غنى عنه بيني وبين نفسي “، وعبارة ” لا غنى عنه ” تعني ضرورة الغير لتشكيل هوية الأنا، لدرجة يصعب معها التمييز بين الأنا والغير، لكن هذه الضرورة، لا تلغي سلبيات الغير، فهو بنظراته –يقول سارتر- يقيد تصرفاتنا ويرصد حركاتنا، بل يخلق لدى الأنا حالات نفسية متوترة، أبرزها حالة الخجل La Honte ، وهذه الحالة السيكولوجية التي تنتاب الأنا أحيانا، لا يمكن الشعور بها إلا بحضور الآخر ونظراته Ses Regards، وفي هذا يقول سارتر:” إن الخجل la Honte في تركيبه الأول هو خجل من الذات أمام الآخر، فأنا خجول من نفسي من حيث أتبدى للغير”، ويضيف موضحا، قد تصدر عني حركة غير لائقة، وهذه الحركة تلتصق بي، لا أحكم عليها ولا ألومها، لكن بمجرد ما أشاهد شخصا يرمقني، ويتبين لي أنه اكتشف ما في حركتي هذه من سوقية، فأشعر بحالة الخجل تدب في أوصالي، لا أجد لها مخرجا إلا بالهروب والتستر عن نظرات الغير التي تجمد حركاتي، فالغير إذن له تأثير كبير على كل مكونات وجودي كذات، فعندما يراني فإنه يصبح خارجا عني ومنفلتا مني، ويصبح قادرا على تأويل سلوكي ومنحه معنى، يمكن أن يكون مخالفا للمعنى الذي أتصوره أنا، فالحكم علي من الخارج من طرف الآخر، يصبح جزءا من الحكم الذي أصدره على نفسي” أنا خجول من نفسي من حيث أتبدى للآخر”، فالرابطة بين الأنا والغير، هو قدرته على النظر إليَّ ( Le Regard ) فيحولني إلى موضوع، فأصبح موجودا للغير أتحجر تحت نظرته، ومن هنا ينشأ جزعي وقلقي على نفسي، لأن إمكانياتي مهددة من طرفه، فهو بنظرته إلي يشلني وأنا بدوري أنظر إليه وأشله وأحيله كذلك إلى موضوع، فهناك إذن هوة لا تردم بين الأنا والآخر، يستحيل معها كل التواصل، لأن كل منهما يُشيِّء الآخر ويسلب منه مقوماته كوعي وحرية وتلقائية وفرضية، فنظرات Les regards الغير إذن، تضايق حرية الذات وتنزل بها إلى مستوى الأشياء، يقول سارتر في هذا الصدد: ” أنا في الحديقة العامة قرب ممشى محفوف بالأزهار، أتأمل الموجود لأجلي، هاهو زائر آخر يأتي ويقف ليتأمل المنظر نفسه والذي يستغرق تأملاتي، لقد أصبح هذا المنظر موجودا من أجل الآخر، فالكون هجرني ليصبح ملكا لسواي، ولا يكفي الآخر بسلب الكون مني، بل إنه يحاول أن يسلبني محتوى صيرورتي وحريتي أي وجودي الذي أحاول أن أكونه”، معنى هذا هو أنني حين أكون وحدي أتصرف بحرية، وما أن أنتبه إلى أن إنسانا آخر يراقبني حتى تتغير الأمور، حيث أن نظرة الغير قد تسبب لي شعورا بالضيق وتجمد إمكانياتي وتفقد ذاتي حريتها، بهذه الأمثلة الواقعية، يحاول سارتر أن يبين أن العلاقة مع الغير ليست بالعلاقة الإيجابية، وهو الأمر دفع سارتر بأن يختم مسرحته ” جلسة مغلقة Huis clos”، بعبارة مشهورة لديه، وهي: ” الجحيم هم الآخرون، L’Enfer, c’est les autres “، عبارة تجسد بوضوح موقف سارتر من العلاقة مع الغير، التي هي علاقة سلبية.يتبين إذن من هذا التحليل لموقف سارتر من العلاقة مع الغير، وهو الموقف المعبر عنه في القولة، أن العلاقة بين الأنا والغير هي علاقة سلبية، إنها من النوع الجحيم، فنظرات الغير تسلب الأنا حريتها، وتجعلها في حالة قلق ومعاناة وألم، لكن هل يمكن القبول بهذا التصور كحل لإشكالية العلاقة مع الغير ؟ أ فعلا أن العلاقة مع الغير هي علاقة سلبية، وأن نظرات الغير هي من نوع الجحيم، أم أن الأمر عكس ذلك ؟

3-مطلب المناقشة:

لقد لقي هذا الموقف الفكري لساتر، والذي يجعل من القلق أساس العلاقة مع الغير، تأييدا من طرف الفيلسوف الألماني فردريك هيجل، F.Hegel (1770-1831)، فقد أكد هو أيضا على العلاقة السلبية مع الغير، المؤسسة على الصراع، وهو الأمر الذي أوضحه في مؤلفه:” La phénoménologie de L’esprit” فينومينولوجيا الروح”، حيث بََيًَّن أن الصراع هو ما يحكم العلاقة مع الغير، إنه صراع من أجل انتزاع الاعتراف بالذات كذات حرة، ذلك أن انبثاق الأنا من حيث هي وعي بالذات، لا يمنح من طرف الغير بشكل سلمي، وإنما ينتزع عبر صراع، يخاطر كل من الوعيين( الأنا والغير) بحياته ويسعى إلى موت الآخر، دون أن يكون في وسع ” الأنا ” أن تنكر حق ” الآخر ” في البقاء، لأنها لو فعلت ذلك لما استطاعت أن تظفر منه بالإقرار المنشود أو الاعتراف المطلوب، ويقدم هيحل كنموذج لهذا الصراع مثال ” جدلية العبد والسيد، التي ينتزع السيد من خلالها اعتراف العبد له بالسيادة، و أيضا ينتزع من خلالها العبد اعتراف السيد له بالسيادة، حين يضعف السيد ويستكين للراحة، هكذا يحتل الصراع ـ في نظر هيجل ـ صلب العلاقة بين الأنا والغير،لقد تعرض هذا الموقف السلبي من العلاقة مع الغير، إلى انتقاد مجموعة من المفكرين، رأوا في العلاقة مع الغير علاقة إيجابية وليست سلبية، واعتبروا الصداقة أساس هذه العلاقة، نذكر من هؤلاء الفيلسوف اليوناني القديم أرسطو Aristote ( 384-322 ق.م)، الذي منح الصداقة أهمية كبرى في حياة الإنسان، إنها في نظره تجلي من تجليات التعاطف مع الآخرين، أو بتعبيره ” إحدى الحاجات الأشدّ ضرورة للحياة “، وهو الأمر الذي أكده في مؤلفه: ” Ethique à Nicomaque الأخلاق إلى نيقوماخوس “، حيث اعتبر الصداقة الماهية الحقيقية التي تربط الإنسان بالآخرين، مهما كان سن هذا الإنسان ومرتبته الاجتماعية، وما يدعم هذا القول بالنسبة لأرسطو هو تأسيس الصداقة على مفهوم ” الفضيلة “، والفضيلة قيمة أخلاقية ومدنية، تنبي على محبة الخير والجمال لذاته أولا ثم للأصدقاء ثانيا، إنها الوسط الذهبي الذي لا يمنع تحقق المنفعة والمتعة، لذا فهي الملاذ الوحيد الذي يمكن الاعتصام به، في حالة البؤس و الشدائد المختلفة، وفي هذا القول تأكيد على العلاقة الإيجابية مع الغير، نفس التصور الإيجابي للعلاقة مع الغير المؤسس على الصداقة كفضيلة، نلمسه مع الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط E. Kant ( 1724-1804 )، في مؤلفه: ” مذهب الفضيلةDoctrine de La vertu “، حيث أكد هو أيضا على أهمية الصداقة كفضيلة، في تأسيس علاقة إيجابية مع الغير، صداقة تتعالى عن كل ما هو نفعي، وتَنشُدُ الشخص في ذاته، بغض النظر عن انتماءاته العرقية والطبقية والدينية، استجابة لنداء الواجب الأخلاقي الكوني الذي يقوم على القاعدة الأخلاقية التالية: ” اعمل دائما، حيث تعامل الإنسانية في ذاتك وذات الآخرين، لا كوسائل وإنما كغايات “، وانطلاقا من هذا التصور الأخلاقي للشخص الذي توجهه الإرادة الطيبة، يُعَرِّف كانط الصداقة باعتبارها “اتحاد بين شخصين يتبادلان نفس مشاعر الحب و الاحترام”، إنها صورة مثالية، وتحمل غاية أخلاقية طيبة، لأنها تستهدف تحقيق الخير للصديقين معا، ومن هنا كانت واجبا أخلاقيا يلزم على كل إنسان السعي نحو تحقيقه، وهذا الواجب يستدعي المساواة بين مشاعر الحب من جهة، باعتبارها قوة جذب وتجاذب بين الصديقين، ومشاعر الاحترام من جهة أخرى، باعتبارها قوة دفع وتباعد بينهما، لذلك يجب- يقول كانط- أن تكون مشاعر الصداقة المتبادلة بين الصديقين، متعالية عن كل ما هو نفعي آني مباشر، صدى هذا القول الكانطي الأخلاقي لمفهوم الصداقة، نجده يتردد في العصر المعاصر، بشكل أكثر واقعية مع الباحثة الأمريكية، ذات الأصل الألماني حنا أراندتHannah Arendt )1906-1975(، في مؤلف: ” ديريدا وآخرون، المصالحة والتسامح وسياسة الذاكرة “، فهي تمنح الصداقة معاني الحب والصفح والاحترام، وهذه الصداقة ينبغي أن تكون بلا حميمية ولا قرب، إنها تقدير للشخص من خلال المسافة التي يضعها العالم بين الأنا والغير، وهذا التقدير لا ينبغي أن يخضع ـ في نظر حنا آراندت ـ لمزايا يمكن أن تثير الإعجاب، ولا لأعمال يمكن أن تحظى بالإجلال، فالاحترام مثلا كشكل من أشكال الصداقة، ينبغي أن يكون واجبا في حق الجميع، وليس في حق من ينالون الإعجاب والإجلال، هكذا تنتهي حنا آراندت، إلى القول بضرورة الصداقة مع الغير، المؤسسة على الحب والاحترام والصفح، وهذا لا يمكن أن يتم، إلا بالانفتاح على الغير، لأنه ـ تقول حنا آراندت ـ بتقوقعنا على ذواتنا، لن نستطيع الصفح لبعضنا البعض عن أتفه السيئات، هكذا يكون كل من أرسطو وكانظ وحنا أراند، قد رسموا علاقة إيجابية مع الغير مؤسسة على مفهوم الصداقة، لكن هذه العلاقة الإيجابية مع الغير لا يمكن أن تكتمل، إلا بانفتاح الأنا على الغير الغريب، المتمثل في الأجنبي الدخيل أو المهاجر، والمختلف ثقافيا أو دينيا، أو عرقيا أو سياسيا، وهو الأمر الذي نبَّهتْ إليه الباحثة والناقدة الأدبية البلغارية Julia Kristeva في كتابها : ” Etrangers à nous-mêmes “، بقولها : ” ليس الغريب-الذي هو اسم مستعار للحقد وللآخر- هو ذلك الدخيل المسؤول عن شرور المدينة كلها، ولا ذلك العدو الذي يتعين القضاء عليه لإعادة السلم إلى الجماعة، إن الغريب يسكننا على نحو غريب، إنه القوة الخفية لهويتنا والفضاء الذي ينسف بيتنا، والزمان الذي يتبدد فيه وفاقنا وتعاطفنا، ونحن إذ نتعرف على الغريب فينا نوفر على أنفسنا أن نبغضه في ذاته…”، فالغير الغريب إذن كما حددته كريستيفا ليس ذلك القادم من الخارج والغريب عن الجماعة، الذي يهدد تماسكها وانسجامها، ذلك أن وحدة الجماعة ليست في الواقع سوى مظهر عام عندما ندقق فيها، وينكشف لنا أن الجماعة تحمل في ذاتها بحكم اختلافاتها وتناقضاتها الداخلية، غريبا قبل أن ينفذ إليها غريب أجنبي، إن فكرة الغريب تدل، حسب كريستيفا، على غياب التمتع بمواطنة الإنسان داخل وطنه، أليس المجنون غريب جماعته؟ أليس المهمش كذلك؟ أليس ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان غرباء أوطانهم؟…إن هذه الشرائح المنسية هي الغريب الذي يجب الكشف عنه في ذوات المواطنين، الذين يعتقدون أنهم يتمتعون بجميع شروط المواطنة، و أخيرا أليس الغريب تلك النوازع و الميولات العنصرية، والإثنية و القبلية التي تشكل أنا آخر داخل الأنا، و تجعل من الصعب إقامة علاقة مع الغير، هكذا تنتهي كريستيفا إلى التأكيد على أن العلاقة الإيجابية مع الغير، لا ينبغي أن تقف عند حدود الغير القريب أو الصديق، وإنما ينبغي أن تتجاوزها إلى الغير البعيد أو الغريب.

4 -مطلب التركيب:

يتبين من تحليل ومناقشة الموقف المعبر عنه في القولة، أن هناك تباينا في فهم مسألة العلاقة مع الغير، فهناك من ذهب إلى تأكيد الطابع الإيجابي لهذه العلاقة، وهناك من ذهب عكس ذلك، إلى التنصيص على العلاقة السلبية مع الغير، المؤسسة على الصراع والتشييئ، لكن رغم المبررات التي يقدمها أصحاب القول بالعلاقة السلبية مع الغير، فإن ما يمكن تأكيده في هذا المجال، هو أن العلاقة مع الغير يجب أن تكون إيجابية، لما لهذا الغير من أهمية قصوى في تشكيل هوية الأنا كشخص، وفي غيابه تعيش الأنا عزلة قاتلة، لذا لا بد من رسم علاقة إيجابية مع الغير، سواء كان هذا الغير قريبا منا أو غريبا عنا، ولا يمكن بالتالي القبول بحكم الفيلسوف الفرنسي سارتر على الغير بأنه جحيم، تحَوَِّّل نظراته الأنا إلى موضوع، كما تحوِّل نظرات الأنا الغير إلى موضوع، ” إلا إذا كانت نظرة بعضنا إلى بعض لا إنسانية، وإلا إذا شعر كل منا بأن أفعاله، بدلا من أن تتقبل وتفهم، تخضع للملاحظة مثل أفعال حشرة، كما قال بذلك الفيلسوف الفرنسي ميرلوبونتي، كما أنها ليست من نوع الصراع، كما قال بذلك هيجل، لأن الصراع بين البشر، لا يفضي إلا إلى الهدم والفناء، فالعلاقة الإيجابية مع الغير، هي ما ينبغي أن يطبع الوجود الإنساني، لأن هذا النوع من العلاقة، هو الذي يضمن استمرارية هذا الوجود، وهذه العلاقة لا ينبغي أن تقف عند حدود الغير الصديق، بل ينبغي أن تمتد إلى الغير الغريب، حقا أن الصداقة تعتبر مختبرا حقيقيا لقدرات البشر على الوفاء والصدق، لكن يبقى هذا المفهوم غير ذي معنى إذا ما انحصر في نطاق الغير القريب، وأُقصِىِِ ما عداه من الأغيار، أي الغير الغريب، مع العلم أن الموقف إزاء ما هو غريب، هو أيضا مختبر حقيقي لإمكانيات البشر على تقبل وتفهم المخالف لنا في العقيدة والمأكل والمشرب، إنه اختبار حقيقي لقبول الاختلاف، أي قبول ما يفرق بين البشر، وليس فقط لما يجمع بينهم، لذا فالغير سواء كان فردا أو جماعة أو ثقافة، صديقا أو غريبا، قريبا منا أو بعيدا عنا، هو جزء لا ينفصل عن الذات، يمنحها الوجود والتحقق، لهذا لا بد من إقامة علاقة تواصل معه، علاقة تقوم على أساس الاعتراف المتبادل، مع نبذ كل أشكال التمييز والإقصاء والعنف، لأن الغير في نهاية المطاف، ما هو إلا أنا آخر بشري مثلنا، ووجوده هو نداء للغير من أجل تجاوز النقص الذي يعتري الأنا، ونداء له من أجل حوار حضاري مبني على الاحترام المتبادل والتسامح، بعيدا عن كل أنواع الهيمنة والتسلط.

إعلان

اترك رد