الثّورة الفرنسية la révolution française 1789/1799 : الأسباب والنتائج .

بواسطة : - آخر تحديث : يناير 11, 2021
إعلان

الاستاذ حسن ربيحي

لقد كان للثورة الإنجليزية في أواسط القرن السابع عشر بزعامة الجمهوري أوليڤر كرومويل oliver cromwell . والحد من سلطات الملك . وتقوية النظام البرلماني التمثيلي ، خاصةً مجلس العموم المنتخب والممثل لعموم الشعب . وتقليص دور مجلس اللوردات والشيوخ المعين من طرف الملك . والممثل للنبلاء والأرستقراطيين الإقطاعيين . كما كان لفلسفة الأنوار la philosophie des lumières . وتطوير مونتسكيو montesquieu للحقوق والفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية . وأيضاً فكر روسو rousseau القائم على مبدأ التعاقد الإجتماعي بين الشعب والحاكمين . بحيث لا يستمد الملوك شرعيتهم من قوى غيبية أو آلهة ، وإنما من الشعب نفسه ، وتوافقاته فيما يصلح له ويلائم إرادته وطموحه . كما اعتبر النظام الطبيعي هو الأصل . والعقل ناتج عن التفكير البشري . والقانون كفيل بالحد من قوة الغرائز بتنمية الواجب الأخلاقي ذي الطبيعة العقلية الوضعية الاتفاقية conventionnel . زيادةً على الهجوم القوي على الكنيسة والفكر الديني ومحاكم التفتيش والامتيازات الإقتصادية للكنيسة ، من طرف خاصةً ڤولتير وديدرو . حين كانت تسيطر الكنيسة على 10/100من مجموع الأراضي الزراعية في فرنسا . وإذا أضفنا إلى ذلك الملْكية الإقطاعية . لم يعد للفلاحين مجالات واسعة للامتلاك والعمل . فضلاً عن إعفاء الكنيسة والإقطاعيين من الضرائب . بينما الضرائب الأساسية تُفرض على الطبقة الثالثة المكونة من البورجوازية والعمال والصناع والتجار . وعامة الشعب . وإذا انضاف لكل هذا مشاركة فرنسا في حرب التحرير الأمريكية دفاعاً عن أراضيها ، ومعارضةً للتوسع الإنجليزي . مما أفرغ الخزينة من موجوداتها الذهبية والمالية . مما اضطر الدولة فيما بعد إلى بيع ولاية لويزيانا la louisiane ( تسمية ملوك فرنسا لويس ) ، بسبع دولارات للكيلومتر المربع . كل هذا بالإضافة للجوع وغلاء ثمن الخبز ، وظلم الأرستقراطيين النبلاء للعمال الزراعيين . بينما ظل النظام الملكي منعزلاً عن الشعب وبعيداً عن همومه في قصر ڤيرساي versaille . غير مبال بهموم الناس . وهو ما دفع الجمهوريين الثائرين إلى نشر منشورات على نطاق واسع تتحدث عن الظروف والمديونية التي لم تعد سرية حين بلغت 2000 مليون لويز ذهبي . مع المبالغة والإثارة لدفع الناس إلى الحنق ومن ثم الثورة . وكذلك تحالف الملك والملكة ماري أنطوانيت مع إمبراطورية النمسا العدوة لأصلها الملكي النمساوي . واتهامها بالتجسس . وهو ما دفع البرلمان ، وفيما بعد الجمعية التأسيسية إلى الحد من امتيازات الكنيسة وإعفائها من الضرائب . وضرورة مراجعة النظام الضريبي . وأيضاً النظام البرلماني غير المنتخب ، بل المعين منذ سنة 1614 . كما كان البرلمان أو الجمعية الوطنية تمثل السلطة التنفيذية أي أن الملك يحكم بواسطتها . وتتكون من تمثيلية 3 طبقات : طبقة رجال الدين ، وطبقة النبلاء ، وطبقة عموم الشعب . لكن تسيطر الفئتان الأولتان على النظام والتشريع . وهو ما حاول الضغط الشعبي تغييره ليصبح للشعب أكبر تمثيلية بمضاعفة عدد النواب الممثلين للشعب . إذ كان لا يُسمح بالتصويت إلا للذكور البالغين 25 سنة مع شرط إقامتهم في فرنسا ودفعهم للضرائب . مما يعني أن النساء والمهاجرين والفقراء لم يكن لهم أي حق سياسي . وهو ما أدى إلى فوضى داخل البرلمان بإعلان بعض رجال الدين والنبلاء الانحياز إلى ممثلي الشعب ، فاستولوا على البرلمان واستبدوا بتسيير البلاد ، والمطالبة بدستور للبلاد . فتقاطرت عليهم رسائل التأييد من كل أرجاء فرنسا والجمعيات . كما أدى إلى الفوضى في الشارع عندما سمع الناس لإشاعة حل البرلمان ، والسلب والنهب حتى في أوساط الجيش المكون في غالبيته من المرتزقة والأجانب . وكانت النتيجة المباشرة مهاجمة قلعة أو سجن الباستيل la bastille في باريس . الذي لم يكن يحتوي سوى 7 مسجونين للحق العام . لكن تكمن أهميته في عدد ونوعية الأسلحة المخزونة فيه . والذخيرة الكثيرة والقوية في يوم 14 يوليوز سنة 1789 . وهو اليوم الذي اعتُبر منطلقاً للثورة مع قطع رؤساء المسؤولين ورفعها على أسنة الرماح . وهو ما نشر الرعب في باريس وفي كل أرجاء أوروبا . وشكّل المزارعون ميليشيات des milices شعبية هاجمت إقطاعات الأرستقراطيين والنبلاء واستولت عليها . مما نتج عنه إلغاء النظام الإقطاعي من طرف البرلمان في 4 غشت 1789 . ثم إعلان حقوق الإنسان والمواطن . يوم 26 غشت من نفس السنة . مع إلغاء مجلس الشيوخ المعين من طرف ولي العهد مما أدى إلى تعطيل حق النقض لدى الملك قبل إلغائه نهائياً فيما بعد . كما أعادت الجمعية التأسيسية تقطيع البلاد إدارياً حسب المساحة وعدد السكان وليس لاعتبارات دينية أو عرقية أو لغوية أو إقطاعية . أما وزير المالية نيكر فقد استبد بكل صلاحيات التسيير والإنفاق . وقد أصبح مستقلاً عن كل السلطات والمجالس . وتوج كل هذا بمسيرة أو ثورة النساء اللواتي زحفن عى قصر ڤيرساي مطالبات بالخبز والحرية وعودة الملك اإلى باريس وفك العزلة عن القصر والقرب من الشعب ، وهو ما أقنعه به رئيس الحرس . وتحويل رجال الدين والكنائس إلى النظام المدني باعتبارهم موظفين عموميين منقطعي الصلة مع البابا في روما سنة 1801 إلى أن أقيم الفصل النهائي سنة 1905 . كما ظهر إنفصام كبير بين الضباط النبلاء والجيش من طبقة الشعب مما فككه وأضعفه . فضلاً عن إستيلاء جمعية أو نادي اليعاقبة les jacobins المتطرفين على الجمعية التأسيسية بزعامة المتطرف روبيسبيير وإشاعة التشدد والإعدامات بمحاكمة أو بدونها وقتل آلاف المواطنين الأبرياء . مع إعدام الملكة ثم الملك بقسوة مع إفتراء تهم وأكاذيب لا أساس لها كالتجسس والتحرش الجنسي بإبنها . إلى أن أعدم سنة 1794 مع جماعة من أنصاره على رأسهم عالم الكيمياء لاڤوازيي lavoisier . وكان روبيسبيير robespierre قد ساند نابوليون في حربه ضد المتمردين الملكيين والنبلاء مما زاد من شعبيته خاصةً محاربته للنمسا وبريطانيا ومحاولة منعها من الوصول إلى مستعمراتها في آسيا والهند باحتلال مصر وموالاة تركيا . ثم مهاجمة بروسيا وإسبانيا وروسيا وهو ما سيقلده هتلرالنازي فيما بعد . لكن فشله أمام أبواب موسكو وفي أوستيرليز أدى إلى القبض عليه من طرف الإنجليز ونفيه إلى جزيرة sainte hélène بأقصى جنوب المحيط الأطلسي سنة 1814 إلى أن توفي فيها سنة 1821. رغم انهزام نابوليون وفشل مشروعه التوسعي ، فقد نجحت الثورة الفرنسية نجاحاً باهراً لا زالت نتائجه تؤثر بشكل قوي على شعوب العالم ومشاريعها وأفكارها الثورية ، نظراً للفكر النظري القوي الذي تأسست عليه : فكر روسو وڤولتير وديدرو ومونتسكيو ولابلاص وسائر الفلاسفة الأنسيكلوبيديين . ومن بين هذه النتائج :ظهور النظام الجمهوري وفصل السلط . وفصل الدين عن الدولة .القضاء على النظام الإقطاعي وفتح المجال أمام النظام الرأسمالي وتطوير الإقتصاد الليبرالي بإزالة الحواجز الجمركية وتطبيق الشعار : دعه يسير دعه يمر . وسن نظام جديد للمكاييل والمقاييس مثل الكيلو والمتر وهي مبنية على أسس علمية رياضية وفيزيائية لعلماء فرنسيين . وعلى المستوى الإجتماعي إلغاء الحقوق والإمتيازات الإقطاعية للنبلاء ولرجال الدين . ومصادرة أموال الكنيسة، وإقرار مجانية التعليم والتقليص من التعليم الديني وتعميم اللغة الفرنسية ومحاربة التعليم الديني . وسن العدالة الإجتماعية ومبادئ الحرية والإخاء والمساواة والمواطنة . كل هذا كان له تأثير كبير على الثورات اللاّحقة خاصة الثورة الروسية لسنة 1917 رغم اختلاف الظروف والسياق التاريخي .

إعلان

اترك رد